أبي الفرج الأصفهاني

149

الأغاني

إني امرؤ أبكي على جاريّة أبكي على الكعبيّ والكعبيّه [ 1 ] ولو هلكت بكيا عليه كانا مكان الثوب من حقويّه [ 2 ] / فلما فرغ من طوافه ، وقضى حاجته من مكة خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة ، فاستجاشهم على بني لحيان ، فقتل منهم قتلى ، وسبى من نسائهم وذراريهم سبايا ، وقال في ذلك : لقد أمسى بنو لحيان منّي بحمد اللَّه في خزى مبين تركتهم على الرّكبات صعرا يشيبون الذّوائب بالأنين [ 3 ] يشكو إلى عمر فراق ابنه : أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ ، قال : حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ قال : حدثني عمي قال : هاجر خراش بن أبي خراش الهذليّ في أيام عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ، وغزا مع المسلمين ، فأوغل في أرض العدو ، فقدم أبو خراش المدينة ، فجلس بين يدي عمر ، وشكا إليه شوقه إلى ابنه ، وأنه رجل قد انقرض أهله ، وقتل إخوته ، ولم يبق له ناصر ولا معين غير ابنه خراش ، وقد غزا وتركه ، وأنشأ يقول : ألا من مبلغ عني خراشا وقد يأتيك بالنّبأ البعيد وقد يأتيك بالأخبار من لا تجهّز بالحذاء ولا تزيد - تزيد وتزوّد واحد ، من الزاد - يناديه ليغبقه كليب ولا يأتي ، لقد سفه الوليد [ 4 ] / فردّ إناءه لا شيء فيه كأنّ دموع عينيه الفريد [ 5 ] وأصبح دون عابقه وأمسى جبال من حرار الشام سود [ 6 ] ألا فاعلم خراش بأنّ خبر ألم هاجر بعد هجرته زهيد [ 7 ] رأيتك وابتغاء البرّدوني كمحصور اللَّبان ولا يصيد [ 8 ] قال : فكتب عمر رضي اللَّه عنه بأن يقبل خراش إلى أبيه ، وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له .

--> [ 1 ] الهاء من جارية . هاء السكت ، ولعله يعني بالكعبي والكعبية جاره حاطما وامرأته . وتلك هي الحادثة التي أشار إليها في شعره سابقا . [ 2 ] الحقو : الخصر ، والهاء من « عليه » و « حقويه » هاء السكت . [ 3 ] صعرا : جمع أصعر ، والصعر : داء يصيب الإبل تلوي أعناقها منه استعاره للإنسان ، أو هو ميل في أحد شقي الجسم ، والمراد أنني أوقعت بهم على الركبات - اسم مكان - فأنوا أنينا يشيب الذوائب . [ 4 ] الكليب : من الكلب بمعنى الظمأ ، يغبقه : يسقيه مساء ، فاعل يناديه كليب ، والهاء من يناديه ضمير خراش ، أي ينادي أبو خراش الظامىء خراشا ليسقيه اللبن مساء ، فلا مجيب ، وهذا سفه وعقوق منه . [ 5 ] فاعل « رد » ضمير كليب ، والفريد : اللؤلؤ ، شبه الدمع باللؤلؤ في الصفاء . [ 6 ] الهاء من « غابقة » تعود على كليب : أبي خراش . حرار : جمع حرة ، الأرض فيها حجارة سوداء ، أي أصبح بين أبي خراش وساقيه - يعني خراشا - جبال . . . [ 7 ] يقول له : إن جهادك في سبيل اللَّه مع تركي زهيد الأجر . [ 8 ] اللبان : موضع اللبب من الصدر ، والمحصور : المشدود ، يقول : إنك حين تبتغي الأجر بجهادك تاركا أباك كمن يريد الصيد ، وهو مكتوف . ويروى : « كمخضوب اللبان » .